عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي

140

روض الرياحين في حكايات الصالحين ( نزهة العيون النواظر . . . )

أنا بنفسي ، فبكى بكاء كثيرا ، فقلت ما يبكيك ؟ فقال : أنت لم تفعل بي هذا إلا وقد رأيت بعض متصلاتى باللّه تبارك وتعالى ، وإلا فلم اخترتنى من بين أولئك الغلمان ؟ فقلت له : ليس بي حاجة إلى هذا ، فقال : سألتك باللّه إلا أخبرتني ؟ فقلت : بإجابه دعوتك ، فقال لي : أحسبك إن شاء اللّه تعالى رجلا صالحا ، إن للّه عز وجل خيرة من خلقه لا يكشف شأنهم إلا لمن أحب من عباده ، ولا يظهر عليهم إلا لمن ارتضى من خلقه ، ثم قال : ترى أن تقف على قليلا ، فإنه قد بقيت على ركعات من البارحة ، قلت : هذا منزل فضيل قريب ، قال لا ، ههنا أحب إلى أمر اللّه عز وجل لا يؤخر ؛ فدخل المسجد فمازال يصلى حتى أتى على ما أراد ، ثم التفت إلى وقال : يا أبا عبد الرحمن هل من حاجة ؟ قلت لم ؟ قال إني أريد الانصراف ، قلت إلى أين ؟ قال إلى الآخرة ، فقلت لا تفعل دعني أسر بك فقال : إنما كانت تطيب الحياة حيث كانت المعاملة بيني وبينه ، فأما إذا اطلعت عليها فسيطلع عليها غيرك ، ولا حاجة لي في ذلك ، ثم خر لوجهه فجعل يقول : إلهي اقبضنى الساعة الساعة فدنوت منه فإذا هو قد مات ، فو اللّه ما ذكرته قط إلا طال حزنى ، وصغرت الدنيا في عيني ، رضي اللّه عنه ، ونفعنا به ، قلت : وفي أمثاله أقول : عبيد لمولاهم تعالى وغيرهم * عبيد الهوى بين الفريقين كالثرى وعلو الثريا في ارتفاع مقامهم * بهم يدفع اللّه البلايا عن الورى ( الحكاية العشرون بعد المئة : عن محمد بن الحسين البغدادي رضي اللّه عنه ) قال : حججت في بعض السنين ، فبينما أنا أدور في شوارع مكة ، إذا أنا بشيخ قابض على يد جارية متغير لونها ، نحيل جسمها ، وعلى وجهها نور ساطع ، وضياء لامع ، وهو ينادى : هلى من طالب ؟ هل من راغب ؟ هل من زائد على عشرين دينارا وأنا برئ من كل عيب ، قال : فدنوت منه وقلت له : الثمن قد عرفناه ، فما العيب ؟ قال : أعلن أنها جارية مهيومة مهمومة ، قائمة ليلها ، صائمة نهارها ، لا تأكل طعاما ولا تشرب شرابا ، قد ألفت الانفراد والوحدة في كل أرض وبلدة ، فلما سمعت كلامه أحب قلبي الجارية ، فاشتريتها بالثمن المذكور ، ورحت بها إلى منزلي ، فرأيت الجارية مطرقة إلى الأرض ، ثم رفعت رأسها إلى وقال : يا مولاي الصغير من أين أنت يرحمك اللّه ؟ قلت : من العراق ؟ قالت من أي العراق من البصرة أم من الكوفة ؟ فقلت لا من البصرة ولا من